محمد جمال الدين القاسمي
477
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
- لأن من حكمة اللّه في خلقه : أنّ من اغتذى جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسانيته بنفسانية ذلك الشيء « 1 » : الكبر والخيلاء في الفدّادين أهل الوبر ، والسكينة في أهل الغنم . فلما جعل في الخنزير من الأوصاف الذميمة ، حرّم على من حوفظ على نفسه من ذميم الأخلاق . نقله البقاعيّ . وقد كشف لأطباء هذا العصر من مضار لحم الخنزير - المبنية على التجارب الحسّية - غير ما قالوه القدماء . فمن مضارّه : أنه يورث الدودة الوحيدة المتسبب من وجودها في الأمعاء أعراض كثيرة : كالمغص ، والإسهال ، والقيء ، وفقد شهوة الطعام أو النهم الشديد وآلام الرأس ، والإغماء ، والدوار ، واضطراب الفكر ، وعروض نوبات صرعية ، وتشنجات عصبية ، وإصابة مرض دودة الشعر الحلزونية الذي يفوق الحمّى ، ويودي بحياة المصاب . . . إلى غير ذلك من التعب وعسر الهضم ، ومضار سواها . قال حكيم : فالإسلام لم يأت لإصلاح الروح فقط ، بل لإصلاح الروح والجسم معا . . ! فلم يترك ضارّا لأحدهما إلا ونبّه عليه تصريحا أو تلويحا . . . وقد بسط الحكماء المتأخرون الكلام على مضرات لحم الخنزير في مقالات عديدة . وأما خبث المهلّ به لغير اللّه : فلأنه يرين على القلب ، لأنه تقرب به لغير موجده وخالقه تقرّب عبادة ، وذلك من صريح الإشراك والاعتماد على غيره تعالى ؛ فكان خبثه معنويا لتأثيره على النفوس والأخلاق كتأثير المضر بالجسم والبدن ؛ والشرع جاء للحفظ عما يضرّ مطلقا ، ولصيانة مقام التوحيد . ولما كان هذا الدين يسرا لا عسر فيه ولا حرج ، رفع حكم هذا التحريم عن المضطر . فقال فَمَنِ اضْطُرَّ أي ألجأه ملجئ بأي ضرورة كانت إلى أكل شيء مما حرم بأن أشرف على التلف ، فأكل من شيء منه حال كونه غَيْرَ باغٍ أي غير طالب له راغب فيه لذاته . من ( بغى الشيء وابتغاه : طلبه وحرص عليه ) وَلا عادٍ أي : مجاوز لسدّ الرمق وإزالة الضرورة فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وإن بقيت حرمته ، لأنه إذا تناوله حال الاضطرار لا يؤثّر فيه الخبث لأنّه كاره بالطبع .
--> ( 1 ) أخرج البخاريّ في : بدء الخلق ، 15 - باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال . عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « رأس الكفر نحو المشرق . والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدّادين أهل الوبر . والسكينة في أهل الغنم » .